ساسي سالم الحاج

208

نقد الخطاب الاستشراقي

ومع نفيه تأثير العناصر الأجنبية في القوانين العرفية العربية قبل الإسلام فإنه يؤكد أن العرب من خلال اتصالهم ببيزنطة عرفوا واستخدموا بعض المصطلحات الإغريقية اللاتينية الخاصة بالمسائل العسكرية والإدارية وبعض منها ينتمي إلى الناحية القانونية ككلمة « لص » ذات الأصل الإغريقي ، التي تحدّد السارق ، ومع أن القرآن يعاقب على الحرابة فإن عبارة « قاطع الطريق » هي تالية للقرآن ، وعلى كل حال فإن جريمة « قطع الطريق » لم يكن معاقبا عليها قبل الإسلام . كما أن مصطلح « دلّس » العربي ينتمي إلى بيزنطة ، ولكنها هي الأخرى لم تستخدم كمصطلح فني في القانون الإسلامي إلّا في عصوره المتأخرة « 1 » . وعندما أشار « شاخت » إلى الأوضاع القانونية السائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام فإنه لم يقصد بها التدليل على تأثر القرآن بها ، أو بيان العناصر الأجنبية الدخيلة عليها ، وإنما استخدمها كمدخل لتطور القانون الإسلامي بداية من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وحتى عهد الأئمة المجتهدين ثم العصر الحاضر . ومن هنا فإنه قد عالج بعد هذه المقدمة التحليلية تطور الفقه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، مشيرا إلى أنه - أي الرسول - قد خرج في مكة باعتباره مصلحا دينيّا ، وقد احتجّ بشدة على قومه عندما اعتبروه مجرد كاهن كبقية الكهّان . ونظرا لسلطته الشخصية فإنه دعي إلى المدينة عام 622 م للتحكيم في نزاع قبلي هناك ، وبصفته نبيّا فإنه قد أصبح مشرّع المجتمع الجديد المبني على القواعد الدينية ، وهكذا حلّ المجتمع الديني محل المجتمع القبلي . ونظرا لأن الرسول رفض أن يلعب دور الكاهن فقد رفض التحكيم طبقا لما هو معمول به في الجزيرة العربية الوثنية . ومع ذلك فإنه بصفته قاضي الجماعة الجديدة فإنه استمر في مزاولة أعمال « الحكم » خاصة أن القرآن قضى بالتحكيم في النزاع الناشئ بين الزوج والزوجة . وكلما تحدث القرآن عن النشاط القضائي للرسول كان قد استخدم مصطلح « حكم » مع كلّ اشتقاقاته ، مع أن مصطلح « القضاء » والذي اشتقّ منه اسم « القاضي » لم يستخدم في القرآن كإشارة إلى من يتولى الحكم بين الناس في الفصل في المنازعات التي تقع بينهم ، ولكن هذا المصطلح يشير في القرآن إلى قضاء اللّه ورسوله والذي له علاقة وطيدة بيوم الآخرة ، ولا يوجد هذان المصطلحان إلا في آية واحدة : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 19 .